العيني
42
عمدة القاري
وبفتح التاء وتشديد الميم ، قال الخطابي : يروى على وجهين : أحدهما : مفتوحة التاء مشددة الميم ، وأصله : تتضامون ، حذفت إحدى التائين ، أي : لا يضام بعضكم بعضا كما تفعله الناس في طلب الشيء الخفي الذي لا يسهل دركه فيتزاحمون عنده ، يريد أن كل واحد منهم وادع مكانه لا ينازعه في رؤيته أحد . والآخر : لا تضامون من : الضيم ، أي : لا يضيم بعضكم بعضا في رؤيته . وقال التيمي : لا تضامون ، بتشديد الميم ، مراده : أنكم لا تختلفون إلى بعض فيه حتى تجتمعوا للنظر ، وينضم بعضكم إلى بعض فيقول واحد : هو ذاك ، ويقول الآخر : ليس ذاك ، كما تفعله الناس عند النظر إلى الهلال أول الشهر ، وبتخفيفها ، معناه : لا يضيم بعضكم بعضا بأن يدفعه عنه أو يستأثر به دونه . وقال ابن الأنباري أي : لا يقع لكم في الرؤية ضيم وهو الذل ، وأصله : تضيمون فألقيت حركة الياء على الضاد فصارت الياء ألفا لانفتاح ما قبلها . وقال ابن الجوزي : لا تضامون ، بضم التاء المثناة من فوق وتخفيف الميم ، وعليه أكثر الرواة ، والمعنى لا ينالكم ضيم ، والضيم أصله : الظلم ، وهذا الضيم يلحق الرائي من وجهين : أحدهما من مزاحمة الناظرين له ، أي : لا تزدحمون في رؤيته فيراه بعضكم دون بعض ، ولا يظلم بعضكم بعضا . والثاني : من تأخره عن مقام الناظر المحقق ، فكأن المتقدمين ضاموه ، ورؤية الله عز وجل يستوي فيها الكل ، فلا ضيم ولا ضرر ولا مشقة . وفي رواية : ( لا تضامون ، أو لا تضاهون ) . يعني : على الشك ، أي : لا يشتبه عليكم وترتابون فيعارض بعضكم بعضا في رؤيته . وقيل : لا تشبهونه في رؤيته بغيره من المرئيات . وروي : ( تضارون ) ، بالراء المشددة والتاء مفتوحة ومضمومة . وقال الزجاج : معناهما لا تتضارون أي : لا يضار بعضكم بعضا في رؤيته بالمخالفة . وعن ابن الأنباري : هو تتفاعلون من الضرار ، أي : لا تتنازعون وتختلفون . وروي أيضا : لا تضارون ، بضم التاء وتخفيف الراء ، أي : لا يقع للمرء في رؤيته ضير ما بالمخالفة أو المنازعة أو الخفاء . وروي : تمارون ، براء مخففة يعني : تجادلون أي لا يدخلكم شك قوله ( فان استطعتم ان لا تغلبوا ) بلفظ المجهول وكلمة ان مصدرية والتقدير ان لا تغلبوا أي : من الغلبة بالنوم والاشتغال بشيء من الأشياء المانعة عن الصلاة قبل طلوع الشمس ، وقبل غروبها قوله : ( فافعلوا ) أي : الصلاة في هذين الوقتين ، وزاد مسلم بعد قوله : قبل طلوع الشمس وقبل غروبها يعني العصر والفجر وفي رواية ابن مردوية من وجه آخر عن إسماعيل ( قبل طلوع الشمس صلاة الصبح ، وقبل غروبها صلاة العصر ) . وقال الكرماني : فإن قلت : ما المراد بلفظ : افعلوا ؟ إذ لا يصح أن يراد افعلوا الاستطاعة ، أو افعلوا عدم المغلوبية ؟ قلت : عدم المغلوبية كناية عن الإتيان بالصلاة ، لأنه لازم الإتيان ، فكأنه قال : فأتوا بالصلاة فاعلين لها . انتهى . قلت : لو وقدر مفعول : افعلوا ، مثل ما قدرنا لكان استغنى عن هذا السؤال والجواب . قوله : ( ثم قرأ ) لم يبين فاعل : قرأ ، من هو في جميع روايات البخاري . وقال بعضهم : الظاهر أنه النبي صلى الله عليه وسلم ، قلت : هذا تخمين وحسبان . وقال الشيخ قطب الدين الحلبي في شرحه : لم يبين أحد في روايته من قرأ ، ثم ساق من طريق أبي نعيم في ( مستخرجه ) أن جريرا قرأه . قلت : وقع عند مسلم عن زهير بن حرب عن مروان بن معاوية بإسناد هذا الحديث ، ثم قرأ جرير ، أي الصحابي . وكذا أخرجه أبو عوانة في ( صحيحه ) : من طريق يعلى بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد ، فالعجب من الشيخ قطب الدين كيف ذهل عن عروة إلى مسلم . قوله : ( فسبح ) التلاوة ، وسبح : بالواو ، لا : بالفاء ، المراد بالتسبيح : الصلاة . قوله : ( افعلوا ) ، أي : افعلوا هذه الصلاة لا تفوتكم ، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى الصلاة ، وهو بنون التأكيد ، وهو مدرج من كلام إسماعيل ، كذلك ثم قرأ مدرج . ذكر الروايات في قوله : ( إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته ) ، وفي لفظ للبخاري : ( إذ نظر إلى القمر ليلة البدر ، فقال : أما أنكم سترون ربكم كما ترون هذا ، لا تضامون ، أو لا تضاهون في رؤيته ) . وفي كتاب التوحيد : ( أنكم سترون ربكم عيانا ) . وفي التفسير : ( فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة ) ، وعن اللالكائي عن البخاري : ( أنكم ستعرضون على ربكم وترونه كما ترون هذا القمر ) . وعند الدارقطني : وقال زيد بن أبي أنيسة : ( فتنظرون إليه كما تنظرون إلى هذا القمر ) ، وقال وكيع : ( ستعاينون ) ، وسيأتي عند البخاري : عن أبي هريرة وأبي سعيد : ( هل تضارون في رؤية الشمس في الظهيرة ليست في سحابة ؟ قالوا : لا ، قال : هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر ليس فيه سحابة ؟ ) . قالوا : لا . قال : والذي نفسي بيده لا تضارون في رؤيته إلا كما تضارون في رؤية أحدهما ) . وعن أبي موسى عنده بنحوه ، وعن أبي رزين العقيلي : ( قلت : يا رسول الله أكلنا يرى ربه منجليا به يوم القيامة ؟ . قال : نعم . قال : وما آية ذلك في خلقه ؟ قال : يا أبا رزين ، أليس كلكم يرى القمر ليلة البدر منجليا به ؟ قال :